محمد بن جعفر الكتاني
45
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
مناديلهم وثيابهم ، يقصدون به التبرك ، وذلك كله من البدع ؛ لأن التبرك إنما يكون بالاتباع له صلّى اللّه عليه وسلم ، وما كان سبب عبادة الجاهلية للأصنام إلا من هذا الباب . . . قال : ولأجل ذلك كره علماؤنا - رضي اللّه عنهم - التمسح بجدار الكعبة أو بجدار المسجد أو بالمصحف . . . إلى غير ذلك مما يتبرك به سدا لهذا الباب ، ولمخالفة السنة ؛ لأن صفة التعظيم موقوفة [ 43 ] عليه صلّى اللّه عليه وسلم . فكل ما عظمه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نعظمه ونتبعه فيه ، فتعظيم المصحف : قراءته والعمل بما فيه ، لا تقبيله ولا القيام إليه كما يفعله بعضهم في هذا الزمان ، وكذلك المسجد ؛ تعظيمه : الصلاة فيه لا التمسح بجدرانه ، وكذلك الورقة يجدها الإنسان في الطريق فيها اسم من أسماء اللّه تعالى أو اسم نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ترفيعه : إزالة الورقة من موضع المهنة إلى موضع ترفع فيه ، لا بتقبيلها . وكذلك الخبز يجده الإنسان ملقى بين الأرجل ؛ تعظيمه : أكله لا تقبيله . وكذلك الولي ؛ تعظيمه : اتباعه لا تقبيل يده وقدمه ، ولا التسمح به . فكذلك ما نحن بسبيله ؛ تعظيمه : باتباعه لا بالابتداع عنده » . وفي " الدر النفيس " نقلا عن كتاب " المعيار " للونشريسي ما نصه : « ومن البدع : تقبيل قبر الرجل الصالح العالم ، فإن هذا كله بدعة » . وقال الشيخ أبو العباس المقري في تأليف له في النعل الشريف سماه ب " فتح المتعال في مدح النعال " ما نصه : « مذهب كثير من العلماء - وخصوصا المالكية - كراهة تقبيل الأشياء المعظمة في غير ما ورد به الشرع ، كتقبيل الحجر الأسود . قال : وكذا قال بعض الأئمة عند تكلمه على تقبيل الحجر الأسود ، وقول عمر - رضي اللّه عنه - : إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول اللّه صلّى اللّه وسلم يقبلك ما قبلتك ! ! . ما نصه : وفيه كراهة تقبيل ما لم يرد الشرع بتقبيله من الأحجار وغيرها » . وممن حذر من هذا وصرح بأنه من البدع ومن فعل النصارى : الشيخ زروق في " شرح الرسالة " ، وقال في " عدة المريد " : « قالوا : ولا يتمسح بالقبر ؛ لأنه من فعل النصارى » . وذكر العلامة سيدي الطيب ابن كيران في تأليف له في الرد على المبتدع الوهبي وجماعته : أن محل الكراهة عند المالكية : إذا لم يكن الفاعل لذلك من أهل العلم والفضل الذين يعرفون وجه النية فيه ، وإلا فلا كراهة . ونصه : « وأما التبرك بآثار الكل بالتمسح ونحوه ؛ فصميم مذهب مالك رضي اللّه عنه فيه : الجواز لأهل العلم والفضل الذين يعرفون وجه النية في ذلك ، ولا يغلطون فيه ولا يخشى منهم خلل في القصد ، بخلاف جهلة العوام الذين لا يصلون إلى تصحيح النية فيه ، فيكره لهم ذلك . ففي الحطاب عن الشيخ زروق رضي اللّه عنه : كره مالك السجود على الحجر - يعني : الأسود - وتمريغ الوجه عليه . قال بعض شيوخنا : وكان مالك يفعله [ 44 ] إذا خلا به . . . » .